قصــة فى مكارم الأخلاق طباعة إرسال إلى صديق

 

الحديث عن مكارم الأخلاق والمتصفين بها لا يمل، بل هو زينة للمجالس وغذاء للروح.. وأثناء كتابتى لهذه الفصول ساقت إلى الأقدار قصة جميلة فى مكارم الأخلاق أحببت أن أسجلها هنا قبل أن نستأنف حديثنا مع شيخنا كريم الأخلاق حلو الصفات عبد الرحيم بن محمد وقيع الله رضى الله عنهما.

زارنى قبل يومين ابن عمى الحاج عزت السيد محمد خالد من الشرقية وحكى لى قصة مضى عليها حوالى نصف قرن، ومع ذلك لايزال يتذكرها بكل تفاصيلها.

كان ذلك فى أواخر الخمسينات من القرن الماضى حيث أتم خدمته العسكرية، وفى يوم أراد أن يزور زميلا له – كان معه بالجيش – بقرية تدعى "تليج" مركز "كفر صقر" بنفس المحافظة – الشرقية.

فى ذلك الوقت كانت المواصلات فى الأرياف قليلة جدًا، وكانت الطرق فى معظمها غير ممهدة ولم تكن الكهرباء قد دخلت الريف المصرى بعد.

ركب عزت الأتوبيس من الزقازيق إلى كفر صقر بعد صلاة العصر فوصل قريبا من وقت المغرب، فصلى فى مسجد قريب ثم وقف ينتظر الأتوبيس الذى سيحمله إلى قرية "تليج" حتى أذن لصلاة العشاء، فصلى وبعد الصلاة سأل الناس المنتظرين على المحطة عن الأتوبيس المنشود فقالوا إنه لم يصل بعد.

مر بعض الوقت ثم جاء الأتوبيس يتهادى ويعفر الأرض من حوله، فركب وطلب من السائق أن ينادى عليه إذا وصلت السيارة إلى "تليج"، وفعلا جاء النداء بالبشرى: الأخ اللى عايز تليج ينزل هنا.

ونزل عزت، ومضى الأتوبيس فى طريقه، فإذا به يجد نفسه فى ظلام دامس، لا يكاد يرى شيئا البتة إلا لمعان خافت للماء فى الترعة التى نزل بحذائها. وبعد جهد جهيد تبين معالم مصلاة على الترعة وكانت أشباه هذه المصلاة تنتشر فى الريف المصرى على الترع حيث تفرش بقش الأرز أو غيره ويحيط بها سور طينى لايزيد ارتفاعه عن قدم أو قدمين.

فبدا لأخينا عزت أن يلج هذه المصلاة ينتظر بها حتى يأتى الفرج! إما أن يمر به أحد يدله على الطريق أو يبيت حيث هو إلى الصباح فإن الاتوبيس الذى جاء به هو المواصلة الوحيدة من كفر صقر إلى هنا، ولا توجد مواصلة من هنا إلى كفر صقر إلا فى الصباح.

انتصب عزت فى المصلاة ليصلى ركعتين: الله أكبر. فإذا بعينيه يقعان على كتلة ضخمة سوداء فى زاوية المصلاة، فغمره الخوف حتى أنه لم يدر كيف أتم صلاته وماذا قرأ فيها، فلما سلّم جاءه صوت قوى يقول:

-  صلّيت؟

فقال والخوف يغمره:

-  نعم.

فقال صاحب الصوت:

-  لكنك لم تصل إلا ركعتين!

فقال عزت:

-  صليت العشاء بكفر صقر.

فقال:

-  قم معى.

ولما نهض صاحب الصوت من مكمنه إذا به ضخم الجثة يلتف فى عباءة سوداء، ويمسك بيده "نبّوت"، وانطلق يمشى وهو يدّب الأرض بعصاه الغليظة، ولم يجد عزت بدًا من السير خلفه وهو لايدرى إلى أين ولا كيف المصير!

هناك على البعد استطاع أن يرى نورًا خافتًا فاستبشر واطمأن، وبعد قليل وصلا إلى مشارف القرية، فدنا الرجل من باب دار على اليمين ودفعه بعصاه فانفتح الباب على مصراعية وكشف عن غرفة كبيرة مضيئة مفروشة بالسجاد والطنافس التى تستند على حوائط الغرفة وفى الوسط إناء معدنى كبير به الفحم المتقد وعليه أوانى لصنع الشاى والقهوة، والدفء والأمان يخيمان على هذا المجلس الواسع.

دخل الرجل وتبعه عزت، فأشار له أن يجلس فجلس، ونادى بصوته القوى: ياولد.

فجاء رجل فسلم وقبل يد الرجل الضخم، ثم جلس، وجاء ثان ففعل مثل فعل الأول، ثم ثالث.. وهكذا حتى تمت عدتهم أربعة عشر رجلاً فى كامل الصحة والعافية.

وجاء الطعام وجلس الجميع يأكلون، ثم رُفع الطعام وغسلت الأيدى وجىء بالشاى.. كل هذا والرجل لم يكلم عزت كلمة واحدة إلا أنه بعد أن فرغ من الشاى سأله: تدخن؟ فقال: لا. حينئذ مال عليه الرجل وقال له: من أنت وما حاجتك؟

فأخبره عزت بحاجته، فأشار الرجل إلى أحد الرجال الحافين به وأمره أن يذهب إلى دار فلان ويحضره.

وبدأ رجال كثيرون يتوافدون ويجلسون ويشربون الشاى والقهوة ويتكلمون مع الرجل فى أشياء ومواضيع شتى، وأخونا عزت مراقب لما يحدث، وفهم أن الرجال الأربعة عشر هم من أبناء صاحبه، وأنه رجل كبير الشأن فى هذه الناحية.

وانبسط المجلس وزالت عن صاحبنا الرهبة وسأل صاحبه عن السبب فى جلوسه بمفرده فى المصلاة فى ذلك الوقت المتأخر من الليل. فأخبره بأن بعض اللصوص وقطاع الطريق ينتظرون مرور الأتوبيس ليلا ليتصيدوا من ينزل منه فى "تليج" حتى يجردوه من أمواله وملابسه، وقد حدث هذا عدة مرات وافتضحت نساء عفيفات على أيدى هؤلاء الأشقياء، قال: فعاهدت الله من يومها أن أكون فى انتظار هذا الأتوبيس فى كل ليلة.

وكان من الطبيعى أن يقول له عزت: أولادك – ما شاء الله – يسدّوا عين الشمس، فلماذا لا تبعث بهم فى هذه المهمة أو تأخذ بعضهم يكونوا معك.

فأجابه الرجل بثقة تامة إن الله قد أعانه وأغناه عن غيره، وقال إنه فى إحدى الليالى كانوا خمسة أو أكثر من قطاع الطريق ووقع فى أيديهم عائلة بها نساء وأطفال ومعهم رجل أو رجلين، فأحاطوا بهم، فقام من مربضه بالمصلاة وصاح:

-          أنت مين ياولد؟

فردّوا عليه ردًا قبيحًا، ولما رأوه مقبلا عليهم اندفعوا إليه دفعة واحدة. قال الرجل: فوالله لقد كنت أمسك بالرجلين منهم فأضرب أحدهما بالآخر ثم أقذف بهما فى الترعة كأنما هما زوج من الدجاج.

وهكذا كان هذا الرجل من رجال الله يحرس المسافرين فى ليلهم يحفظ أعراضهم وأموالهم، ويؤامن روعاتهم، حُق له أن يُسمى حارس تليج كما وُجد من قبل "حارس الدرب "بالقلعة بالقاهرة وحارس النهر بأندونيسيا وهو أحد الأولياء التسعة المشهورين الذين لهم الفضل الأكبر فى نشر الإسلام بتلك البلاد البعيدة وتثبيت أقدامه فيها.

نعم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

(سلطان القلوب الشيخ عبد الرحيم البرعى ص85)



شارك بهذه الصفحة فى مواقعك الإجتماعية المفضلة
 
 
اقرأ أيضًا ... :

» تواضع الكبار

التواضع ثمرة من ثمار المعرفة..معرفة الله بعظمته وقدرته وجبروته، ومعرفة النفس بنقصها وعجزها. قال إمامنا عبد الله بن المبارك: إذا عرف الرجل...

» بلال بن سعد

صاحبنا فى هذه القصة هو بلال بن سعد وما أدراك ما بلال بن سعد.قال عنه عبد الله بن المبارك: كان محل بلال بن سعد بالشام ومصر كمحل الحسن البصرى...

» أحمد بن مهدى

كان أحمد بن مهدى ذا مال كثير، أنفقه كله على العلم، وكان قد عُرف ببغداد بين الناس بالصلاح.فى يوم جاءته امرأة وقالت له:- إننى من بنات الناس،...

» مكارم الأخلاق

فرح عُمر فرحًا كبيرًا لأنه علم أنه شب وأصبح رجلاً..عرف عمر ذلك لأن أباه دعاه ليذهب معه إلى الغابة لقطع الأخشاب.وسمع أمه تقول لأبيه: عمر لا...

» حاتم الأصم

لم يكن حاتمًا أصمًا كما قد يوحى اسمه ..ولا كان " الأصم" اسمًا لأبيه أو لعائلته..وإنما اشتهر بذلك بسبب قصة رقيقة جميلة..تقول القصة إن حاتما...
جميع الحقوق محفوظة 2014 | الموقع الرسمى محمد خالد ثابت. | تصميم محمود نصر | التسجيل