أولياء مصر.. محمد الغَمْرى (849هـ) طباعة إرسال إلى صديق

الشيخ الصالح والفقيه الزاهد محمد بن عمر بن أحمد الغمرى، وصفه المناوى بقوله:"صوفى علت منازله، واشتهرت بين الأنام فضائله..".

وُلد بمدينة ميت غمر بشمال مصر سنة 786هـ، ونشأ بها، وحفظ القرآن عند الفقيه الصالح الشيخ أحمد الدمسيسى، وحفظ كتاب "التنبيه" فى فقه الشافعية وغير ذلك.. ثم قدم القاهرة وأقام بالجامع الأزهر حيث أخذ على مشايخه فى الفقه وفى غيره من العلوم..

وكان فى غاية التقلل، حتى أنه كان يظل الأسبوع طاويا (جائعا)، وكان يتقوت بقشر الفول وقشر البطيخ ونحو ذلك. فى تلك الأثناء لازم التجرد والتعبد، واعتزل وسعى إلى سادات الصوفية وصحب بعضهم كالشيخ عمر الوفائى، لكنه انتفع بالشيخ أحمد الزاهد وتمت تربيته على يديه.

وصف الشعرانى أول لقاء بينه وبين شيخه الزاهد فقال إنه ذهب ليأخذ عنه الطريق بالليل بعد صلاة العشاء وقد أُغلق باب الجامع. فدقِّ عليه وقال:

- افتحوا لنا.

فقال الشيخ من الداخل.

- نحن لا نفتح الجامع بعد العشاء.

فقال:

- إن المساجد لله.

فقال الشيخ:

- هذا نَفَسُ فقيه. افتح له يافلان.

ففتحوا له فدخل، ثم قال:

- أين الشيخ؟

فقال له الشيخ:

- ما تفعل به؟

قال:

- أطلب الطريق إلى الله.

فقال الشيخ:

- ما أنت من أهلها.

فقال:

- ببركة الشيخ أكون إن شاء الله أهلا لها.

فقبله الشيخ ولقنه الذكر، وكلّفه بالخدمة فى دورة المياة، ثم بعد ذلك نقله إلى البوابة، ثم نقله إلى الوقادة، فمكث خمس عشرة سنة على هذا الحال والشيخ يلاحظه ويؤدبه، وفى ليلة سها عن إيقاد مصابيح الجامع فى الفجر كالعادة، وغلبه النوم، فنادى عليه الشيخ لكى يوقدها.. فقام فزعا ، وأشار إليها بيده فأوقدت جميعها فى الحال.

فعلم الشيخ أنه قد تمَّ حاله فقال له:

- ما بقى لك إقامة هنا، فأذهب إلى بلبيس وانفع الناس.

ويتكلم الشيخ محمد الغمرى عن أستاذه بالإجلال والتقدير فيقول: كان سيدى أحمد الزاهد رضى الله عنه يقول: لا تأذن قط لفقير أن يجلس على سجادة إلا إن ظهرت له كرامة، وكانت كرامتى أننى نمت عن الوقود، فأشرت إلى القناديل فاتَّقدت كلها.

لما أذِن له الشيخ فى التربية والإرشاد قام بذلك فى عدد من النواحى حتى استقر فى المحلة الكبرى بإشارة شيخه، فنزل بالمدرسة الشمسية ووسعها وأحكم بناءها.." وانتفع به أهل تلك الناحية، وظهرت بركته، وعلت درجته"، كما قال المناوى.

ثم قدم إلى القاهرة وعمّر بها جامعًا بسوق أمير الجيوش، وكانت المنطقة فى حاجة ماسة إليه، وعمَّ النفع به واشتهر صيته، وعلا قدره، وكثرت أتباعه، وذُكرت له أحوال ومشاهد وكرامات، واشتهر فى تلامذته جماعة، ويضيف المناوى قائلا: "و جدّد عدة مواضع بكثير من الأماكن يعجز عن مثلها سلطان، وأنشأ عدة زوايا، يقال نحو الخمسين، وكثر الاجتماع فيها للتلاوة والذكر".

أقبل الناس عليه – من العامة والخاصة – يطلبون الطريق، وقصده آخرون للزيارة والتبرُّك به من جميع الأقطار، ولم يؤثِّر ذلك فيه شيئا، بل ظل على لزوم الجد  والزهد..

قال السخاوى: كل ذلك مع إقباله على ما يقربه إلى الله، وصحة عقيدته، ومشيه على قانون السلف، والتحذير من البدع والحوادث، وإعراضه عن أهل الدنيا جملة بحيث لا يرفع لأحد منهم رأسًا – ولو كان عظيما.. مع مزيد تواضعه مع الفقراء وإجلاله للعلماء بالقيام لهم والترحيب بهم، وورعه وتعفُّفِه وكرمه ووقاره ومحاسنه الجمَّة..  (الضوء اللامع 8/239)

ووصفه الشعرانى بقوله: كان من العلماء العاملين، والفقراء الزاهدين المحققين، سار فى الطريق سيرة صالحة، وكانت جماعته فى المحلة الكبرى وغيرها يُضرب بهم المثل فى الأدب والاجتهاد.

وكان على خلق كريم.. وقع غلاء فى سنة من السنين، فأخرج جميع ما فى المخزن من القمح فباعه للناس، وصار يشترى مثل الناس، وقال فى ذلك: "إن الله يكره الرجل المتميز عن أخيه".

وكان مقبول الشفاعة، يمشى بنفسه فى حوائج الناس مع قدرته على أن يقضيها بقلبه، وكان يقول: إن الحديث ورد فيمن مشى فى قضاء الحاجة لافيمن يقضيها بقلبه.

يُروَى فى ذلك – وهى كرامة أيضا – أن السلطان غضب على ابن عمر أمير الصعيد، فجيىء  به فى الحديد، فبينما هم فى الطريق عثر حمار لبائع فجل فقال: ياسيدى محمد ياغمرى.

فسأله ابن عمر

- من هذا؟

فقال الرجل:

- شيخى.

فقال:

- وأنا أيضا أقول ياسيدى محمد ياغمرى لاحِظْنى.

فسمعه الشيخ وهو فى المحلة، فخرج ومعه اثنان من أصحابه إلى القاهرة، وطلب من أحدهما أن يطلع إلى القلعة إذا طلعوا بابن عمر، فإذا رأى السلطان يغلظ له القول أن يضع سبابته على الإبهام وأن يتحامل عليها..

فلما  رأى السلطان يغلظ عليه فعل ما أمره به الشيخ، فإذا بالسلطان يضيق نفَسه، ثم يصيح فيمن حوله.

- أطلقوه!

فلما نزل الرجل وأخبر الشيخ بما حدث قال:

- قُضيت الحاجة.

ورجع إلى المحلة وقال لصاحبيه:

- المعاملة مع الله تعالى، وما مع أحد منكم إذن أن يتكلم بذلك حتى أموت.

ومن كراماته أيضا أن بعض اللصوص أجمعوا على قتله لكثرة ما كان يعارضهم، فأتوا الزاوية ليلا، وكسروا بابها، فقال الشيخ لجماعته:

- لا يخرج لهم أحد غيرى.

فخرج عليهم، فما أن وقعت أعينهم عليه حتى ألقوا سلاحهم وأعلنوا توبتهم. ذكرها  الإمام النبهانى فى جامع كرامات الأولياء.

وقال الشعرانى: أخبرنى الشيخ زكريا الأنصارى أنه دخل مرة على سيدى محمد الغمرى الخلوة على غفلة، فرأى له سبع عيون، قال: فلما بُهت فيه قال لى:

- يازكر يا إن الرجل إذا كمل صار له عيون بعدد أقاليم الدنيا.

قال الشيخ زكريا: ودخلت عليه مرة أخرى فرأيته متربعًا فى الهواء قريبا من سقف الخلوة.   (جامع كرامات الأولياء)

قال المناوى: حج مرارًا وجاور، وزار القدس. وكان لمزيد كماله لا يتحاشى عن سؤال الفقهاء عما يعرض له من المسائل الفقهية، ولا عن سؤال الحافظ ابن حجر عما توقف فيه من الأحاديث..

وسلك طريق شيخه فى الجمع والتأليف، مستمدا منه ومن غيره. من تصانيفه: "قواعد الصوفية "و"محاسن الخصال فى بيان وجوه الحلال" و"النصرة فى أحكام النظرة "و"الأنتصار لطريق الأخيار" و "فَتْحُ المنة فى التلبس بالسنة" فى أربعة مجلدات، و"الوصية الجامعة" و"المناسك" وغيرها..

ولم يزل على حاله حتى لقى ربه فى ليلة الثلاثاء آخر يوم فى شعبان سنة 849هـ، وصُلى عليه فى غد اليوم التالى، ودُفن فى جامعه بالمحلة الكبرى، وكان له مشهد عظيم. وتأسّف الناس على فقده، وكثر الثناء عليه.

مراجـــع

  • · الطبقات الكبرى للشعرانى تحقيق عبد الرحمن حسن محمود.
  • · الكواكب الدرِّية فى تراجم السادة الصوفية للمناوى تحقيق محمد فتحى أبو بكر 4/366.
  • · الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوى 8/238.
  • · جامع كرامات الأولياء للنبهانى 1/270.

 



شارك بهذه الصفحة فى مواقعك الإجتماعية المفضلة
 
 
جميع الحقوق محفوظة 2014 | الموقع الرسمى محمد خالد ثابت. | تصميم محمود نصر | التسجيل