الشيخ ياسين التهامى طباعة إرسال إلى صديق

 

على الرغم من شهرته الكبيرة..لم أجد له ترجمة وافية على النت.. مع أن له موقعا غاية فى الكرم فى بذل قصائده لكل من يريد..

الرجل إذن ليس مهتما بأن يعرف الناس عنه.. ولكنه مهتم كل الاهتمام أن يعرفوا عن الله وعن رسوله وعن أهل بيته وأولياء الله الصالحين.. هذا هو همه الأكبر وشغله الشاغل بالليل والنهار.

كانت أول معرفتى به فى أوائل الثمانينات من القرن المنصرم.. أى منذ حوالى ثلاثين عاما تقريبا.. وكان ذلك على يد الصديق الحبيب العميد كمال سليمان رحمه الله الذى أعارنى شريطا مسجلا من إنشاده.. فلما سمعته تعلقت به.. وأحببت أن أستمع إلى المزيد.. وأصبحت محلات بيع شرائط الكاسيت بحى سيدنا الحسين غاية أسعى إليها بين الحين والآخر للحصول على المزيد من إبداعات الشيخ.. حتى اجتمع عندى منها عدد كبير.. وأصبحت منبهرا بهذا المنشد الصعيدى الذى ينشد قصائد ابن الفارض.. وعبد الكريم الجيلى.. ومحى الدين بن عربى.. وأبى مدين الغوث.. وغيرهم من كبار العارفين.

لم أكن أفهم المعنى لكل ما ينشده الشيخ.. ولكن روحى كانت تستقبل من إنشاده تيارات متوالية من الأنوار والمشاعر السامية العالية..

فى واحد من تلك الأيام كنت أزور سيد الشهداء سيدنا الحسين فى مقامه المنيف بالحى الذى يحمل اسمه بالقاهرة.. كان ذلك صباحا.. وكان المقام على غير العادة يكاد يكون خاليا من جهة الباب.. وكانت لحظة متألقة من لحظات العمر التى لا تنسى.. والتى تأتى فى العادة بغتة، من غير ترتيب ولا توقع..

رأيت الشيخ جالسا على الأرض مسندا ظهره إلى الحائط متوجها بوجهه للمقام.. وبجواره آخر.. كان الشيخ ينشد وصاحبه يحفظ له الإيقاع بالتصفيق بيديه.. ووقفت أستمع وأشاهد وأنا مبهور بجلال اللحظة وبهائها.

ورأيته مرة ثانية قبل عام.. فى أول احتفال بمولد سيدنا الحسين بعد قيام الثورة المصرية فى 25 يناير 2011.. فى ذلك الوقت كان الوهابية الذين يسمون أنفسهم بالسلفيين قد علت أصواتهم واستعلوا بغرورهم.. وأعلن بعضهم أنهم سيقومون بهدم الأضرحة وعلى رأسها ضريح الإمام الحسين عليه السلام.. وتهددوا مولده أيضا.

ذهبت مع صديق لى فى الليلة الكبيرة.. ورأيت زحاما لم أر مثله من قبل.. وكان هناك حظر للتجول بعد الساعة الثانية صباحا.. مما جعل الشيخ يأتى مبكرا.. وبدأ إنشاده على غير العادة فى الساعة العاشرة مساء.. وكان فى السنوات السابقة يبدأ فى الثانية عشرة.. ويستمر فى الانشاد إلى وقت الفجر..

لذلك أمكننا – أنا وصاحبى- أن نشاهده عن قرب.. وأن نذوب وسط الآلاف الذين اكتظ بهم الميدان.. وقفوا يستمعون لإنشاد الشيخ الساعات الطوال.. ويحلقون معه فى علويات الروح..

ولد الشيخ ياسين التهامى فى سنة 1949 ببلدة الحواتكة – مركز منفلوط- محافظة أسيوط بصعيد مصر.

فى كتابه الفريد: الخطط التوفيقية وصف على مبارك الحواتكة بأنها قرية كبيرة على الشاطىء الغربى للنيل فى جنوب منفلوط.. وأبنيتها من أحسن الأبنية الريفية.. وبها نخيل وأشجار وجنات..

بالحواتكة  أيضا أضرحة لعدد من الأولياء الذين يحتفى بهم الناس.. وتقام لهم الموالد السنوية.. يستقبل فيها أهل الحواتكة الرواد من جميع أنحاء الجمهورية.. وتظل البلدة فى أفراح طوال أيامها ولياليها..

أشهرها ضريح الشيخ التهامى حسانين والد الشيخ ياسين.. ولمسجده مأذنة تعد الأطول فى الوجه القبلى بالصعيد..

وبها أيضا أضرحة الشيخ أبى الحسن المحمدى.. والشيخ عبد رب النبى.. والشيخ الحلوى.. والشيخ الريدى.. ومعظمهم من أبناء الحواتكة..

فى هذه البيئة المشبعة بروح التصوف نشأ الشيخ فى بيت علم وولاية.. فوالده كان من الصالحين.. وكان يقيم مجالس الذكر.. ويحتفى بأهل الذكر.. ويعتنى بالاحتفال بالمولد النبوى خاصة.. ويدعو إليه كبار المنشدين.. وغيره من المناسبات الدينية..

كانت تربيته إذن على يد هذا الوالد  فى جو يسوده التدين والمحبة والذكر..

ولما شب أدخله والده التعليم الأزهرى بعد أن أتم حفظ القرآن.. فالعائلة محبة للأزهر منتمية إليه.. وكان جده الشيخ محمد حسانين الكبير من كبار العلماء ومفتيا معروفا فى الصعيد كله..

لكن الشيخ ياسين - لسبب ما- لم يكمل التعليم الأزهرى بعد السنة الثانية الثانوية حيث اتجه إلى الإنشاد الدينى الذى انجذب له انجذابا شديدا.. فكان انقطاعه عن الدراسة سنة 1970.. وكان البدأ الفعلى لعمله بالإنشاد سنة 1973..

فى تلك الفترة التى بينهما انكب على قصائد العارفين.. يقرؤها ويتأمل فيها ويتلذذ بها.. ويحيا فى رحابها.. وقد حصل له تعلق بأصحابها ومحبة شديدة..

ولما شرع فى الإنشاد.. أصبح ينشد أمهات قصائد الشعر الصوفى.. لسلطان العاشقين عمر بن الفارض.. وللشيخ الأكبر محى الدين بن عربى.. ولأبى مدين الغوث شيخ الشيوخ.. والحلاج شهيد العشق الإلهى وغيرهم.. فكانوا بمثابة الشيوخ له.. وعلى قدر حب المريد لشيخه يكون استمداده من روحانيته وأنواره.

لذلك تراه يذكرهم دائما بالحب والعرفان.. فيقول: أنا عليل ودوائى فيما أجده فى أشعار أسيادنا العظام.. ويقول أيضا: أنا لا أقول إن هؤلاء شعراء إنما هم لسان حال فهم أكبر من أن يكونوا شعراء هم لسان حال واضح وفصيح صادر عن منابع كلها صدق ولا زالت حية وموجودة إلى يوم الدين.

الإنشاد إذن بالنسبة له تربية وعلاج.. وسيلة للتقرب إلى الله. يقول أيضا: الإنشاد بالنسبة لى غذاء لروحى وترويض لنفسى..

فهو فى حالة الإنشاد يلقى بنفسه بين يدى مولاه.. مخاطبا له بكلام أوليائه وأحبابه.. غير مكترث بما سوى الله.. لذلك تراه يقول: أغلب إنشادى ارتجالا.. لا ألتزم بمقامات موسيقية معينة.. ولا أقوم بتحضير أية قصائد قبل الليالى التى أحييها.. أتركها هكذا على الله، وربنا يكرم.

إذا شاهدت الشيخ وهو ينشد أمام الجماهير خاصة فى الموالد وحضرات الذكر.. تشعر أنه يحلق فى عليائه.. محمول على روحه.. يظل واقفا الساعات الطوال ينشد بلا توقف.. فلما سئل عن السر فى ذلك قال: أشعر أحيانا وأنا أنشد بأن قلبى هو الذى يقول وليس لسانى ولا حنجرتى.. وهذا من مشايخنا الأفاضل أقطاب الصوفية فهم أصحاب الحال.. نفحة صغيرة منهم كفيلة بأن تجعلنى أنشد طوال الليل دون تعب أو إجهاد..

شاهد على اليوتيوب فيديو بعنوان: (الشيخ ياسين التهامى - أدركت توحيد الهوى).. لاحظ بساطة المسرح الذى ينشد عليه بأحد الميادين.. ولاحظ الجمهور الذى أمامه.. سواء المنخرطين فى الذكر أو المستمعين فقط.. ولاحظ أيضا أحد المجاذيب وهو غلام يقف أمام الشيخ مباشرة وهو ينشد ليس بينه وبينه إلا متر واحد وهو يتمايل أمامه بشدة.. ومع ذلك لا يعبأ به ولا يطلب من أحد أن ينزله من مكانه.. فهو مشغول عنه بما هو فيه..

ولحسن الحظ أن للشيخ تواجد كبير على اليوتيوب سواء تسجيلات لحفلاته أو لقاءات فى التليفزيون.. من يشاهدها يرى أنه هين لين.. لا يكثر من الكلام.. والذين عرفوه عن قرب يطنبون فى وصف جوده ومكارم أخلاقه.. ومع ذلك لم يسلم من ألسنة السلفيين الحداد وتطاولهم المعتاد.. فسئل عن الذين ينكرون الإنشاد المصحوب بالموسيقى والغناء وأن ذلك ليس من الإسلام.. فقال: أقول لهم من ذاق عرف فلا تتكلموا عن أشياء لا تعلموا عنها شيئا.. وأولا وأخيرا الجدال فى هذه المواضيع مش كويس.

ما أجمل ما ينشد الشيخ.. وما أروع طريقته فى إنشاده..

يا رب أنعم بتطهير الفؤاد من الهوى     وجُد  لى  بتوفيق  ومُنَّ  بتوبةِ

إن كان جسمى عن جنابك قاطعى       فروحىَ نور مِن جمالك مُدَّتِ

فى البعد لوعة وفى القرب رحمة       وفى الوصل راحة إذ الحب مُنيتى

شاهد أيضا على نفس البرنامج:

- الشيخ يس التهامى ابن أسيوط.

- الشيخ ياسين التهامى الحب دينى وإيمانى.

- الشيخ ياسين التهامى – يا غصن نقا مكللا بالذهب.

وغيرها كثير..

فى جميع الموالد والحفلات التى يحييها الشيخ ترى عيونا تلتمع بفرحة حقيقية.. وترى الزحام الشديد.. ومع ذلك الكل منشغل بنفسه عن الغير..

فهؤلاء الذين إذا زاروا الدول الغربية عادوا معجبين بأن الناس هناك لا يتدخل أحد فى شئون غيره.. كل واحد فى حاله.. لو رأى هؤلاء هذه المشاهد لرأوا الصورة الكاملة للشىء الذى أعجبوا به هناك.

الشيخ ياسين التهامى حالة صوفية عالية.. لا أشكُّ أنه من أولياء الله.. ممن أقيموا فى هذا الزمان.. يحيون روح الدين فى الناس ويربطونهم بربهم..

 

مراجع:

- الموقع الرسمى للشيخ ياسين التهامى.

- ياسين التهامى فى حوار خاص – اليوم السابع 2 ديسمبر 2010



شارك بهذه الصفحة فى مواقعك الإجتماعية المفضلة
 
 
جميع الحقوق محفوظة 2014 | الموقع الرسمى محمد خالد ثابت. | تصميم محمود نصر | التسجيل