على بن محمد الحبشى صاحب المولد النبوى الشهير بمولد الحبشى طباعة إرسال إلى صديق

(1333هـ - 1914م)

هو على بن محمد بن حسين بن محمد الحبشى، وينتهى نسبه إلى المهاجر أحمد بن عيسى (345هـ) من نسل جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين بن الحسين عليهم السلام.

وُلد فى شوال سنة 1259هـ ببلدة "قسم" الشهيرة بحضرموت، وتركه والده – الذى كان مفتيا بمكة – فى سن مبكرة فى كفالة والدته الشريفة علوية بنت حسين الجفرى، وكانت على جانب عظيم من الاستقامة والتقوى ورجاحة العقل ومكارم الأخلاق.

طلب العلم صغيرًا على أيدى كبار المشايخ فى علمى الظاهر والباطن، وكان الشيخ الذى تم له الفتح على يده هو العلامة السيد أبو بكر العطاس، وظل ملازمًا  له متعلقًا به أشد التعلق إلى وفاته سنة 1281هـ.

وقام بالتدريس فى "سيئون" وكثر تلامذته وانتشر صيته فى كل مكان، وتوافدت عليه الخلائق تنهل من علومه وأنواره حتى ضاق بهم مسجد "حنبل" الذى كان يلقى فيه دروسه، فأسس الرباط سنة 1296هـ وبنى بجواره مسجد "الرياض" سنة 1303هـ.

وكان واعظًا من الطراز الأول، تهز مواعظه القلوب، وتسيل لها الدموع، ويشعر الحضور بالفيض الإلهى يتنزل عليهم كماء المطر.

وهكذا كثر جدًا تلامذته ومريدوه..  

وازدحم بيته الكبير بالنازلين عليه، وامتلأ الرباط بالطلبة المهاجرين، والمسجد بالعابدين والدارسين. وقد وصف المؤرخون أعداد تلامذته بالمئات..

ومع بسطة العلم بسط الله له الدنيا، فكانت فى يده ينفقها فى سخاء..

ومما رأى الناس من مواهب الله له أقبلوا عليه إقبالاً، وتزاحموا حوله، ويصف صاحب كتاب "تاريخ الشعراء الحضرميين" مسيره فى الطريق "فى زوبعة وضوضاء من المحيطين ببغلته.. والناس يتدافعون على تقبيل يده الكريمة فى كل شارع وكل زقاق"([1]).

ووصف عبادته بأنها كانت عادية، ولكنه كان على غاية من الاستقامة وحسن المتابعة للنبى صلى الله عليه وسلم، و قد نوّله الله الرتبة العليا وهى الاجتماع بالنبى عليه الصلاة والسلام فى اليقظة.

"ومع دماثة أخلاقه ولين عريكته ووداعة طباعه وشدة تواضعه (كان) مهابًا فوق التصور إلى (حد) ارتعاد الفرائص منه من غير داع ظاهرى سوى جلال الله وكسوته..

ولعل هيبته فى النفوس إلى هذه الحدود من نتائج هيبته الشديدة لربه عز وجل كما تبدو واضحة فى مواعظه ومدامعه المتساقطة أثناءها، وربما كان لبكائه صوت مسموع من بعيد عندما يستحر الوعظ"([2]).

وكان – رضى الله عنه – من المغرمين بالسماع، ويحب معه الدفوف والطبول([3])، وقد تجلّت مواجيده وروحانياته العالية فى قصة المولد النبوى التى ألفها تحت اسم "سمط الدرر فى أخبار مولد خير البشر" الذى ذاع صيته فى أنحاء المعمورة.

ومن آثاره – أيضا:([4])

-  مجموعة وصاياه وإجازاته ومكاتباته .

-  ديوان شعرى ضخم من مجلدين.

-  كنوز السعادة الأبدية فى الأنفاس العلية الحبشية (ويشتمل على كلامه).

-  المواعظ الجلية من المجالس العلية.

-  نبذة من كرامات الشيخ أبى بكر العطاس (شيخ فتحه).

-  أدعية وصلوات طُبع بعضها  فى"الفتوحات الإلهية فى الصلاة على خير البرية".

فى ظهر يوم الأحد 20 ربيع الثانى سنة 1333هـ كانت وفاته، وفى عصر اليوم التالى شيعت جنازته "فى جموع لا أول لهم ولا آخر إلى مدفنه عقب الصلاة عليه بساحة مسجد الرياض الممتدة إلى المقابر"([5]).

وقد بُنيت على قبره قبة عظيمة بوسط مدينة سيئون، وهى مفتوحة للزائرين بالليل والنهار، ويقام له مولد سنوى عظيم، والمولد عند الحضارمة يسمى "الحول".

 يبدأ الوفود فى الوصول إلى سيئون من اليوم العاشر من ربيع الثانى، وتعقد الجلسات فى القبة، ويجتمعون على القراءة والذكر وإنشاد القصائد والسماع بالدفوف، وزيارة المشايخ ، ويتم الاحتفال بدء من صباح اليوم الثامن عشر ، وفى اليوم العشرين ـ يوم وفاة الشيخ ـ يتم الاحتفال الكبير الذى يزدحم بجموع كبيرة وافدة من مختلف مدن وقرى حضرموت ، وفى المساء يكون الاحتفال الختامى الذى يتخلله السماع وإطعام الطعام وذكر المناقب ويستمر إلى ساعة متأخرة من الليل([6]).

ومن قصائده فى مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم قوله:([7])

هو النور يهدى الحائرين ضياؤه      وفى الحشـر ظل المرسليــن لواؤه

تلقى من الغيــب المجرد حكمة           بها أمطـرت فى الخافقـين سمـاؤه

ومشهود أهل الحق منه لطـائ         تخبر أن المجــد والشــأو شـــــأوه

فلله ما للعين من مشهد اجتــلا          يعز على أهل الحجـاب اجتــلاؤه

أيا نازحًا عنى ومسكنــه الحشــا          أجب من ملا كل النواحى نداؤه


([1])  تاريخ الشعراء الحضرميين للعلامة المؤرخ السيد عبد الله السقاف، الجزء الرابع ص 136.

([2])  تاريخ الشعراء الحضرميين 4/137.

([3])  نفس المرجع ص 138.

([4])  عن موقع رباط تريم وموقع صوفية حضرموت.

([5])  تاريخ الشعراء الحضرميين 4/140.

([6])  موقع صوفية حضرموت.

([7])  تاريخ الشعراء الحضرميين 4/144.



شارك بهذه الصفحة فى مواقعك الإجتماعية المفضلة
 
 
جميع الحقوق محفوظة 2014 | الموقع الرسمى محمد خالد ثابت. | تصميم محمود نصر | التسجيل